توفيق أبو علم

150

السيدة نفيسة رضي الله عنها

كانت الآخرة وكان الموت نصب عينيها ، والدليل على ذلك حفرها قبرها بيدها ، وقضاؤها شطراً من وقتها كلّ يوم تستلهم منه العظات ، وتستوحي الصالحات . وهي بعد ذلك زوجة مخلصة ، لم يشغلها أيّ أمر عن مسؤوليتها كزوجة ، وحتّى يفاخر بها المؤتمن الدنيا ، ويذكر للناس من حوله أنّه قد وجد فيها نعمة اللَّه عليه ، فلم تقصّر في حقّ له أبداً ، ولم يشغلها أي أمر عن حقوقه وواجباته . وهي أُم ترعى اللَّه في زوجها وولدها ، تغدق بالحنان ولديها أبا القاسم وأُمّ كلثوم ، ترعاهما وتؤدّبهما حتّى يصيرا نموذجاً صالحاً بشرف الانتساب إلى بيت النبوّة . وهي ربّة بيتٍ تشرف عليه . وهي مُحبّة للعلم والمعرفة حبّاً جعلها بحقّ نفيسة العلم . وتجتمع بذوي الحاجات من الناس وتستمع إليهم ، ولهذا شاهد مسكنها في المدينة وفود الزوّار من كلّ بلد إسلامي ، خصوصاً من القادمين في مواسم الحجّ والراغبين في العلم ، وقد كان أكثر هؤلاء الوفود وأشدّهم حرصاً على لقائها من مصر . وضاقت دارها بالزائرين كما حدث لها تماماً في مصر ، عندما طلبت الرحيل إلى الحجاز عند أهلها بسبب ازدحام منزلها بالقاصدين إليها ، كما سيأتي تفصيل ذلك فيما بعد . فزهد السيدة نفيسة كان إيجابيّاً نافعاً ، كما كان زهد الرسول إيجابيّاً ، مثاليّاً في إيجابيته . ويقول إلامام أحمد بن حنبل : الزهد على ثلاثة أوجه : ( 1 ) ترك الحرام ، وهو زهد العوام . ( 2 ) ترك الفضول من الحلال ، وهو زهد الخواصّ . ( 3 ) وترك ما يشغل العبد عن اللَّه ، وهو زهد العارفين « 1 » . وهو زهد السيّدة كريمة أهل الدارين ، شعارها : اللَّه أولًا ، والمجتمع ثانياً ، للَّه‌صلاتها ونسكها ، وللَّه محياها ، وللَّه مماتها .

--> ( 1 ) كتاب الزهد : ص 4 .